تخطى إلى المحتوى

ما غرك بربك الكريم

calendar_today

"﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾..هذه الآية وهذا النداء قد كرر في كتاب الله -عز وجل- مرتين لا ثالث لهما.

في سورة الانفطار يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، وفي سورة الانشقاق يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾.

هذا النداء في كتاب الله -عز وجل-، نأخذ في مقامنا هذا النداء الأول في سورة الانفطار. يقول الله -سبحانه وتعالى- في مطلع سورة الانفطار: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾، هذا متى يكون؟ يكون يوم القيامة.. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾.

يأتي العبد المسكين الضعيف في ذلك اليوم العظيم المهيب، وهو يعلم ما قدم وما أخر؛ ما قدم من خير، وما قدم من شر، وما أخر وتأخر عن خير، وما تأخر عن شر. هذه المقدمة، ثم يأتي النداء من الله -سبحانه وتعالى-.. نداءٌ بحاجة لتأمل، بل إلى طُول تأمل وتفكر في هذا النداء من الله -سبحانه وتعالى-، نداء في القرآن لم يتكرر إلا مرتين لا ثالث لهما: "يا أيها الإنسان"، لم تكن الآية "يا إنسان".

قال العلماء: هذا النداء الياء للبعيد، "يا" يُنادى بها البعيد، أما من هو قريب فلا يُنادى بهذا النداء. "يا أي" قال العلماء: "أي" للوصل، "الهاء" للتنبيه. كل هذه المنبهات: انتبه! هذا خطاب لك أيها الإنسان. "يا أيها الإنسان" من حيث هو، سواء كان مؤمناً أو كافراً، صالحاً أو طالحاً.. نداء له.

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؟ ما الذي خدعك؟ ما الذي غرر بك في حق ربك؟ ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؟ ولم تكن الآية "ما غرك بالله"؛ "بربك". الرب هو، هو المالك، هو السيد، هو المربي، هو المنعم، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. ما غرك بربك الذي رباك؟ أغدق عليك من النعم، نعمه تحوطك، ملائكته تحرسك. "بربك" ولم تكن الآية "ما غرك بالرب"، "ربك" ضمير يعود للمخاطب، ربك أنت، كأنه ربك وحدك؛ لأنه بك حفي، أعطاك وأغدق عليك من النعم.

﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ولم تكن الآية "ما غرك بربك العزيز"، "ما غرك بربك المنتقم"، "ما غرك ربك الجبار". ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ إشارة إلى كرم الله، وجود الله الذي أنعم عليك وأعطاك. ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؟ هذا الرب -جل جلاله- الذي تفضل وتكرم وأعطاك، وليس بحاجة لك! الله -سبحانه وتعالى- الغني -جل جلاله-: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا». غني -جل جلاله-، غناه مطلق -جل جلاله- ليس بحاجة لأحد.

ومع ذلك أعطاك وأغناك، ونعمك ورباك بنعم، فضائله تحوطك، ونعمه وآلاؤه تترى عليك صباحاً ومساءً. ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؟ كل من أعرض عن الله، أشرك بالله، كفر بالله، عصى الله، ابتعد عن الله؛ مُغرر به، مُغرر به، غرر به الشيطان، أغواه وأبعده عن الله.

﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، هو الذي والى عليك النعم، فهو الخالق، وهو الذي سوى خلقك. خلق الإنسان، خلقه الله -سبحانه وتعالى- في أحسن تقويم، فضله على الخلائق أجمعين: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. فُضل الإنسان وكرمه الله؛ كرمه بالعقل، كرمه التسوية والاعتدال، لا يوجد مخلوق معتدل القامة كاعتدال الإنسان.

هذا الرب -جل جلاله- الكريم، الذي يتودد لعبده بالنعم والخيرات، لماذا يغتر الإنسان بستر الله؟ ويغتر بكرم الله؟ الكريم المحسن يُعامل بالإكرام والإحسان، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾؟ فالواجب على المسلم أن يتأمل هذه الآية، ويطول تفكيره فيها، فهو نداء من الله -سبحانه وتعالى-، وتذكير للعبد بالنعم. لا تنسى نعم الله، تذكرها، فلتكن منك على بال، فإن الذكرى لنعم الله شُكر لها.

إذا أراد المسلم أو أتاه نزغ ووسوسة من الشيطان بمعصية، هو سيعصي الله بأي شيء؟ بشيء وهبه الله إياه! تعصي الله بالعين؟ من الذي رزقك الإبصار؟ هو الله. تمشي إلى معصية؟ من الذي أعطاك هذين الرجلين التي تمشي بهما؟ هو الله -سبحانه وتعالى-. فإن المسلم إذا تذكر هذا النداء انزجر واستحيا عن كثير من الذنوب والمعاصي التي يغرر بها الشيطان هذا الإنسان، أو تغرر به نفسه، لأن يأتي معصية الله -عز وجل-.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعصمنا وإياكم عن كل ما يٌسخِطه، وأن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين، وحزبه المفلحين، وأوليائه الصادقين.

أنشئ بأعلام